السبت، 22 أغسطس 2015

مجتمع الأصحاء

محمد غلاب
لن يتقدم مجتمع مريض، ولن تنهض أمة لا تمتلك منظومة صحية للحفاظ على حياة مواطنيها، الوضع الصحى ينافس المواطنين فى التدهور، المستشفيات مبان خالية من الرحمة والعلاج، الواقع يكشف اننا ليس عندنا وزارة صحة، ولا وزير صحة، لو كانت هناك وزارة لوضعت خطة للنهوض بمستوى الخدمات الصحية، ولو كان عندنا وزير للصحة، ما كان أغمض عينيه، ولا زار النوم جفنه عندما يسمع عن مريض فقير يتم طرده من المسمى مستشفى، ويتوفى فى الشارع، ولو كان عندنا وزير صحة لكان استقال عندما يسمع أن أبًا انسحب من الحياة لفشله فى علاج ابنه المصاب بالسرطان بعد أن تردد به على كل المستشفيات، ولأنه فقير لم يجد من يحنو عليه، ويهون عليه، ويربت على كتفه، ويكفكف دموعه، معنى أن ينتحر هذا المواطن هو أن أبواب الرحمة الإنسانية أغلقت فى وجهه، ولم يجد بصيصًا من أمل فى تخفيف آلام فلذة كبده لأنه لا يمتلك ثمن العلاج، فآثر الموت على أن يرى ابنه يتعذب أمامه، ويرمقه بنظرات العتاب، أنا لا أشجع على الانتحار لأنه حرام شرعًا، لكن هذا المواطن المسكين فعلها، ولن يسمع كلامنا حاليًا، لأنه عاد إلى التراب الذى  خلق منه، تاركًا خلفه ابنًا ليس مريضًا فقط ولكنه يتيم أيضًا، جعل مأساته اثنتين، مطلوب فتح ملف العلاج فورًا لوقف إذلال الناس على أبواب المستشفيات، من الممكن أن يتحمل الإنسان الجوع والفقر وعدم العمل، ولكنه لا يتحمل المرض عندما لا يجد من يخفف آلامه، ويجد الدولة تخلت عنه، واكتفت بعلاجه من الناحية النظرية فى مواد خطت فى الدستور الذى صوت عليه المرضى أيضًا بأن لكل مواطن الحق فى الصحة وفقًا لمعايير الجودة، ولكن من الناحية العملية لا يساوى هذا الكلام قيمة المداد الذى خط به، كلام على الورق، الواقع يقول إن المصريين الفقراء يموتون بالجملة، وخير شاهد على ذلك موجة الحر العالية التى كشفت عدم استعداد الدولة لرعاية كبار السن والمرضى الذين يتساقطون يوميًا على أبواب المستشفيات الخالية من أى مظاهر تؤكد أنها مكان للاستشفاء.
لا أعتقد أن فى مصر وزير صحة، وإلا كان تحرك ضميره لوقف المآسى اليومية التى تقع من المستشفيات بالأرياف، آسف من دكاكين المرض، لقد تابعت على فضائية مصرية مشكلة أسرة توفى عائلها بسبب الحر مثل المئات الذين فشلت وزارة الصحة ومستشفياتها فى انقاذ حياتهم، أو بالأصح تخلت عنهم، ذهبت هذه الأسرة بأحد أفرادها إلى المستشفى بعد ارتفاع درجة حرارته، فنصحوهم فى المستشفى بالعودة به إلى المنزل، وفتح خرطوم المياه على رأسه، وقالت الزوجة: وضعناه على كرسى فى الفسحة أى فى الهول بلغة المناطق الراقية، وفتحنا عليه مياه الحنفية بعد توصيلها بالخرطوم، وصوبنا المياه على رأسه لأكثر من ساعة ولم تنخفض الحرارة، وتوفى فى اليوم التالى.
المحزن فى هذه الواقعة ليس أمر المريض الذى توفى بعد أن رفض الأطباء الكشف عليه، وحجزه إذا استدعت حالته، وتقديم العلاج له، وتحولوا إلى «حلاق صحة» يصفون العلاج الشعبى ففارق المريض الحياة، المحزن أكثر هو حالة مدير هذا المستشفى الذى استقبل المريض، ولو كان المريض على قيد الحياة لقال لهذا المدير جئتك يا عبدالمعين تعينى فوجدتك يا عبدالمعين عايز تنعان» مدير المستشفى مريض بفيرس «سى» فى حالة متأخرة بعد فشل علاجه بالسوفالدى ويحتاج إلى زرع كبد، وبدلا من أن يعلن فى البرنامج الفضائى ـ الذى بالمناسبة أشكر مقدمه الأستاذ وائل الابراشى على تبنيه قضايا جماهيرية فى «العاشرة مساء» قال المدير إن الأطباء أخبره بحاجته إلى زرع كبد، مريض ذهب يطلب العلاج من مريض، فاكتشف أن فاقد الشىء لا يعطيه، يا معالى وزير الصحة كيف تترك طبيبًا يفترسه مرض الكبد اللعين يدير مستشفى، أنا لا أطالب باستبعاده لكن أطالبك بعلاجه، ومنحه إجازة، كيف تطلب من مريض لا يجد العلاج وهو طبيب، أن يعالج مريضًا يأتى إليه يستنجد لتخفيف آلامه، والطبيب يتألم، والاثنان انت مسئول عنهما.
كيف نترك يا وزير الصحة طبيبًا بدرجة مدير مستشفى يتسول العلاج، ونطلب منه علاج المرضى، حالة مدير المستشفى المريض تكشف المأساة التى يمر بها الوضع الصحى فى مصر التى ينطبق عليها المثل: باب النجار مخلع.
أحد المواطنين لخص المأساة التى يمر بها الوضع الصحى فى الصعيد قائلاً: متقلقوش احنا اتعودنا على كده، الموت عندنا ببلاش، تعودنا على الموت المجانى، ومدير المستشفى يوجه نداء إلى وزير الصحة: الوضع محير، من يطلب العلاج المريض أم الطبيب؟.
هذا السؤال أتوجه به إلى المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء، وأطالبه بالتخلص من الوزراء الفاشلين الذين يهدرون مجهوده، إن هذه السلطة التى انقذت مصر، يجب أن تبسط رعايتها على المرضى الفقراء لتنقذهم من المرض وأن تضع خطة عاجلة لبحث أحوال المستشفيات فى مناطق الصعيد والمناطق الريفية، لا يمكن أن تستمر هذه المستشفيات فى يد مسئولين ليسوا على قدر المسئولية، ولا يمكن أن يستمر وزير صحة لا يعلم شيئًا عن أحوال المرضى ولا أحوال الأطباء، واختلط الأمر الذى ينذر بتنامى الغضب.